عبد الفتاح اسماعيل شلبي

36

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي

وإذا اتخذنا الثعالبي ، والبيروني مثلا لأدباء هذا العصر وعلمائه عرفنا تولية الأدباء وجوههم شطر هذه الدول : فالثعالبى : أهدى كتابه لطائف المعارف إلى الصاحب بن عباد ، والمبهج ، والتمثيل ، والمحاضرة إلى شمس المعالي قابوس ، وسحر البلاغة وفقه اللغة إلى الأمير أبى الفضل الميكالى ، والنهاية في الكتابة ، ونثر النظم ، واللطائف والظرائف إلى مأمون ابن مأمون أمير خوارزم . وقدم أخبار ملوك الفرس وسيرهم إلى نصر أخي السلطان محمود . والبيروني : أقام في خوارزم عند المأمونية ، ثم سار إلى شمس المعالي ، وقدم إليه كتاب الآثار الباقية ، ثم قصد السلطان محمود فلزمه وقدم إليه كتابه عن الهند ، وقدم كتاب التفهيم في علم التنجيم الذي ألفه بالعربية والفارسية إلى سيدة من خوارزم اسمها ريحانة ، ثم قدم القانون المسعودي في النجوم إلى مسعود بن محمود ، وكتابه في المعارف إلى السلطان مودود بن مسعود « 1 » . وكانت هناك ارتحالات لطلب العلم كما كانت الارتحالات لطلب المال : حكى ابن خلكان قال : قال أبو علي محمد بن وشاح بن عبد اللّه : سمعت أبا نصر بن نباته يقول : كنت يوما قائلا في دهليزى ، فدق على الباب ، فقلت : « من ؟ » فقال : « رجل من أهل المشرق » ، فقلت : « ما حاجتك ؟ » فقال : « أنت القائل : من لم يمت بالسيف مات بغيره * تنوعت الأسباب ، والداء واحد ؟ فقلت : « نعم ! » فقال : « أرويه عنك ؟ » فقلت : « نعم ! » فمضى ، فلما كان آخر النهار دق على الباب . فقلت : « من » فقال : « رجل من أهل تاهرت من الغرب » فقلت : « ما حاجتك ؟ » فقال : « أنت القائل » : من لم يمت بالسيف مات بغيره * تنوعت الأسباب ، والداء واحد ؟ فقلت : : « نعم ! » فقال : « أرويه عنك ؟ » فقلت : « نعم ! » « 2 » . وقد يكون ما يحكيه أبو نصر بن نباته ( ت 495 ه ) من قبل الدعاية إلى شعره وأنه يسير في الآفاق ، ويصل إلى المشرق والمغرب ، ولكنه - يدل على الارتحال الذي شغف به أهل هذا العصر على كل حال .

--> ( 1 ) الرسالة مجلد 2 عدد 38 ص 549 وما بعدها . ( 2 ) وفيات الأعيان ج 2 / 365 .